الشيخ محمد رشيد رضا

79

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ينفعهم التبرؤ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ أي الروابط التي كانت بينهم وبين التابعين وانما كان ينفعهم في الدنيا لو أنهم آثروا به الحق على الرياسة والجاه والمنافع التي يستفيدها الرئيس باستهواء المرءوس وإخضاعه له وحمله على اتباعه ، أما وقد صدر عن نفوس ترتعد من رؤية العذاب الذي أشرفت عليه بما جنت واقترفت ، بعد ما تقطعت الروابط والصلات بينها وبين المتبوعين واصطلمت ، فلا منفعة للمتبرىء تركت فيحمد تركها ، ولا هداية للمتبرأ منه ترجى فيحمد اثرها ، والأسباب جمع سبب وهو في أصل اللغة الحبل الذي يصعد به النخل وأمثاله من الشجر ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد من المقاصد المعنوية لولا ان حيل بين المقلدين وهداية القرآن لكان لهم في هذه الآية أشد زلزال لجمودهم على أقوال الناس وآرائهم في الدين ، سواء كانوا من الاحياء أم الميتين ، وسواء كان التقليد في العقائد والعبادات أم في احكام الحلال والحرام ، إذ كل هذا مما يؤخذ عن اللّه ورسوله ليس لأحد فيه رأي ولا قول ، إلا ما كان من الاحكام متعلقا بالقضاء وما يتنازع فيه الناس فلأولي الامر فيه الاجتهاد بشرطه إقامة للعدل ، وحفظا للمصالح العامة والخاصة . وانما العلماء نقلة وأدلاء لا أنداد ولا أنبياء ، فلا عصمة تحوط أحدهم فيعتمد على فهمه ، وقصارى العدالة ان يوثق بنقله ، ويستعان بعلمه ، وما تنازعوا فيه يرد إلى كتاب اللّه وسنة رسوله ، فهناك القول الفصل والحكم العدل واللّه يحكم لا معقب لحكمه ، ولا مرد لامره في مثل هؤلاء المتبوعين والتابعين نزل قوله تعالى في سورة الأعراف ( كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ ، قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) فكل يؤاخذ بعمله ، فإذا حمل الأول الاخر على رأيه ودعاه إلى اتباعه فيه أو في رأي غيره الذي يقلده هو فيه فهو من الأئمة المضلين ، وعليه أئمة ومثل اثم من أضلهم من غير أن ينقص من اثمهم شيء ، إذ حرم اللّه عليهم اتخاذ الأنداد من دون اللّه فاتخذوهم